كيف بدأت
يقدّم مشروع «Salt for Sewing» في العاصمة اليمنية صنعاء دروسًا أساسية في الحِرف اليدوية للنساء، لتمكينهن من بناء مشاريعهن الصغيرة الخاصة في نهاية المطاف. كما أن الدروس تصنع سردية مضادة للحرب والدمار.
الطاولة الخشبية الطويلة مغطّاة بأغطية واقية ومقصّات وقطع من القماش؛ على طرفها الأيسر ماكينتا خياطة، وعلى الطرف الآخر صينية عليها أكواب صغيرة من الشاي والماء. تجلس حولها نحو ست نساء يحاولن أن يُبقين أعينهن على عملهن وعلى معلّمتهن في آن واحد. تتردّد أصواتهن المتحمّسة في قاعة الدرس، وهي مرآب سابق، جدرانه مطلية بالبيج والأبيض، وأبوابه الثقيلة مغطّاة بستائر وردية فاتحة. هنا تلتقي حليمة وزميلتها جميلة بطالباتهما ثلاث مرات في الأسبوع، صباح الاثنين والأربعاء والسبت. من الثامنة حتى العاشرة تعلّم جميلة صناعة الحُلي، ثم تتولّى حليمة درسًا مدته ساعتان في أساسيات الخياطة. حتى الآن صنعت الطالبات ملابس أطفال وحقائب يد وأحزمة وأساور وقلائد وأقراطًا؛ قطعًا يمكنها بسهولة أن تملأ واجهة متجر للحِرف اليدوية. ونأمل أن يحدث ذلك يومًا ما، سواء في متجر كبير أو صغير. هذا ما يطمح إليه مشروع «Salt for Sewing». رؤيته هي برنامجه. تقول شيماء، مشرفة الدروس: «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. وكانت الخطوة الأولى لهذا المشروع هي العزم على فعل شيء للمجتمع اليمني، وللنساء بالدرجة الأولى.» لأنك إذا مكّنتَ المرأة، فإنك تقوّي المجتمع بأكمله.
«Salt for Sewing» مشروع للحِرف اليدوية انطلق من سويسرا ليتحقّق في اليمن، بالمعنى الحرفي للكلمة. يدرّب نساءً لم تُتح لهن فرصة التعليم النظامي على اكتساب مهارات أساسية في الحِرف اليدوية، ليتمكنّ من بناء مشروع صغير يدرّ دخلًا لأسرهن ولأنفسهن. وكما تؤكد شيماء، فهو يدعمهن ليتفوّقن في عمل يحببنه ويملكن موهبة فيه.
بدأ «Salt for Sewing» في العاصمة اليمنية صنعاء الصيف الماضي، لكن انطلاقته الفعلية تعود إلى عام 2015. ويجب أن أعترف أنه وُلد بسبب خطأ، أو بالأحرى: سوء فهم.

في ذلك الوقت، بعد وقت قصير من اندلاع الحرب، كان صديقي جميل، وهو رجل أعمال من صنعاء أعرفه منذ سنوات، لا يزال يملك كشكًا في سوق عيد الميلاد في زيورخ. كان يبيع بضائع يمنية جميلة مثل الفوانيس والحُلي والشالات، وسلالًا صغيرة يدوية الصنع مملوءة بزهرة الملح. وقعتُ في حبها على الفور، وفي حب الملح أيضًا. وما زاد من جمالها أن أخت جميل، بشرى، وصديقاتها صنعنها في قريتهن في إب، المحافظة التي تقع على بعد نحو 150 كيلومترًا جنوب صنعاء، وأن الملح كانت توزّعه تعاونية نسائية في جزيرة سقطرى اليمنية. طلبتُ من جميل أن يرسل إليّ 15 سلة حالما يعود إلى مخزنه. كانت السلال ستكون هدايا مثالية للأصدقاء والعائلة. وبعد أسابيع قليلة وصلني طرد ضخم، وحين فتحته وجدت 50 سلة مغلّفة بعناية، ونحو ثلاثة كيلوغرامات من الملح.
في البداية غضبت. ماذا أفعل بخمسين سلة وبكل هذا الملح؟ أين أخزّن كل هذا؟ خطر لي أن أعيد السلال، لكن خطرت لي فكرة أن أجعل منها مشروعًا: سأبيع السلال مع الملح بخمسة عشر فرنكًا سويسريًا للسلة الواحدة لأموّل مشروعًا يخفّف ولو قليلًا من معاناة الناس في اليمن. كنت أفكّر في أسطوانات أكسجين للمستشفيات أو حتى في أدوية. ولأعرف أفضل طريقة لاستثمار المال، طلبت من جميل أن يسأل أخته عمّا تحتاجه قريتها أكثر من أي شيء. فأجابت بأنهم في حاجة ماسّة إلى ماكينة أو اثنتين للخياطة والتطريز، وإلى أقمشة، وفوق كل شيء إلى راتب معلّمة. فهذا سيساعد الشابات على اكتساب مهارات يُعِلن بها أسرهن، ويزيد من فرصهن في الزواج.
كانوا في حاجة ماسّة إلى ماكينة أو اثنتين للخياطة والتطريز، وإلى أقمشة، وفوق كل شيء إلى راتب معلّمة.
في الحقيقة، شعرت ببعض خيبة الأمل. النساء والخياطة — كان هذا الخيار الأكثر تقليدية الذي يمكن أن يخطر ببالي. لكن بما أن المشروع لا ينبغي أن يدور حول رغباتي، بل حول شيء تحتاجه النساء في منطقة ريفية في اليمن حقًا، فقد وافقت. وأسميت المشروع «Salt for Sewing Machines».
أحبّ الناس في سويسرا سلال الملح والحكاية التي وراء المشروع. وصنعت بشرى وصديقاتها أعدادًا كبيرة من السلال، وتقاضين أجرًا على عملهن بطبيعة الحال، ثم أضفن لاحقًا أوعية الفاكهة وحقائب مكياج صغيرة إلى منتجاتهن. ولسنوات وجدت السلال طريقها إلى سويسرا، رغم أن طريقها البريدي صار مليئًا بالمغامرات أكثر فأكثر. فأحد آخر الطرود أُرسل على متن طائرة للأمم المتحدة إلى جيبوتي، ثم شُحن إلى باريس، وأخيرًا إلى زيورخ. لكن في النهاية خفت مشروع «Salt for Sewing Machines». قيل لي إن جميع النساء في القرية والقرى المجاورة اللواتي أردن تعلّم فن الخياطة قد أتممن الدروس، وإن كثيرات منهن واصلن العمل بأنفسهن، فخِطن فساتين جميلة لأطفال دار الأيتام المحلية، أو استُعين بهن لإصلاح ملابس الأصدقاء والجيران. وبعضهن تزوّجن بالفعل.


في الصيف الماضي توقّف المشروع. وبقي لديّ 50 سلة، و3 أوعية فاكهة، و10 حقائب مكياج، وبعض الملح.
هل كانت علامات نهاية، أم رموزًا لبداية جديدة؟
ناقشت الأمر مع شيماء. تعيش شيماء في صنعاء، وهي أمّ لخمسة أطفال ومعلّمة لنساء أمّيات. وكانت قد دعتني هي وزوجها لأقيم عندهما في بيتهما كلما كنت في اليمن. وطريقة تعارفنا حكاية جميلة بحدّ ذاتها، وجميلة أيضًا لأنها أرست أساس صداقتنا. لذلك سعدت كثيرًا حين اقترحت شيماء إعادة إطلاق المشروع في صنعاء، وعرضت أن تكون مشرفته. لم تكن هناك أيادٍ أفضل يُسلَّم إليها «Salt for Sewing Machines». ولجعل إعادة الإطلاق أكثر وضوحًا، غيّرنا الاسم إلى «Salt 4 Sewing».
بدأت شيماء العمل. وضعت ميزانية، وجالت في المتاجر بحثًا عن ماكينات خياطة بأسعار معقولة، وقارنت الأسعار والجودة، واشترت الأقمشة، ووظّفت معلّمتين، حليمة وجميلة، وكانت جميلة قبل توظيفها تعمل عاملة نظافة في مركز طبي. ثم بحثت عن قاعة مناسبة للدرس، وحين أدركت أن الإيجار سيكون مرتفعًا جدًا، قرّرت استخدام مرآب بيتها، فطلت جدرانه وأرسلت إليّ الصور لتطلعني على سير العمل.

بدأت الدورة الأولى باثنتي عشرة طالبة، بعضهن نساء من حيّها وأحياء معلّماتها، وبعضهن طالبات من صفّ محو الأمية الذي تدرّسه، واثنتان من أقاربها. ومنذ إعادة الإطلاق في سبتمبر، اجتمعت في المرآب 25 متدرّبة في المجموع لتعلّم الخطوات الأولى في الخياطة وصناعة الحُلي. وتضم الدورة الحالية 13 امرأة. يخِطن كل ما يتعلّمنه لأنفسهن أو لأطفالهن. وحليمة وجميلة صارمتان جدًا في الالتزام ببرنامجهما وفي الحفاظ على التزام طالباتهما. فالنساء اللواتي يتغيّبن عن الدروس أكثر من ثلاثة أيام متتالية من دون عذر قوي يُستبعدن من التدريب. وحتى الآن، كانت نسبة الانقطاع ضئيلة.
أحيانًا تسمع شيماء النساء يضحكن بينما هي في البيت تقوم بأعمالها اليومية. وهذا يسعدها. تقول: «أظن أنهن يقضين وقتًا ممتعًا.» وإذا بدا أن الحديث والضحك قد زادا عن الحد، تطلب حليمة من النساء مازحة أن يذهبن لمساعدة شيماء في البيت. وفي الأسابيع الأخيرة، ومنذ أن عادت صنعاء تُقصف بانتظام بطائرات حربية سعودية وإماراتية ردًّا على هجمات الحوثيين على أبوظبي، أصبحت الدروس أيضًا ما يشبه المكان الآمن؛ مكانًا يصنع سردية مضادة للخوف والدمار. تخبرني شيماء: «تعتني النساء ببعضهن جيدًا بعد قنابل الليلة الماضية. تتحدّث كل امرأة عن مشاعرها، وتروي كيف عاشت تلك الليلة، سواء ظلّت مستيقظة أم نامت.» وتحمد شيماء الله كل صباح أنها وعائلتها ما زالوا على قيد الحياة، وتحزن على من رحلوا.
منذ أن عادت صنعاء تُقصف بانتظام بطائرات حربية سعودية وإماراتية ردًّا على هجمات الحوثيين على أبوظبي، أصبحت الدروس أيضًا ما يشبه المكان الآمن؛ مكانًا يصنع سردية مضادة للخوف والدمار.
في الوقت الحالي، تبحث شيماء عن متاجر للحِرف اليدوية تبيع القطع التي تُصنع في الدروس، وأتواصل أنا مع معارفي في المنظمات الدولية لأرى إن كانت هناك فرص لعرض المنتجات وبيعها في البازارات وما شابهها. أو إن كان بإمكاني إحضار بعض المنتجات إلى سويسرا لبيعها هنا وجمع أموال جديدة للمشروع. يومًا ما، وتلك رؤيتنا، سنمضي بمشروع «Salt 4 Sewing» أبعد من ذلك، وربما نقدّم دروسًا في أساسيات الحاسوب أو القراءة أو حتى الإنجليزية إلى جانب ورش الحِرف اليدوية. وقد تُعقد بعض الدروس التجريبية خلال العطلة المدرسية من يونيو حتى نهاية أغسطس، بشرط، كما تقول شيماء، أن نكون جاهزين بالحواسيب والمناهج والمعلّمين.
ما زال الطريق طويلًا. لكن كما ختمت شيماء: «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.» وقد خُطيت الخطوات الأولى.



